|
 |
قد
يكون من باب الصدفة المحضة أن يسقط زعيم صرب البوسنة السفاح المعروف
كاراديتش بعد13 عاما من الملاحقة, شاركت فيها قوات من الأمم
المتحدة وحلف الاطلنطي.. في نفس اللحظة التي تثور ضجة دولية حول
الاتهامات الموجهة الي الرئيس السوداني عمر البشير, وتطالب بتسليمه
للمحاكمة في جرائم إبادة مشابهة ضد أهالي دارفور. إذ لم يعد من السهل
علي حكومات الدول الضعيفة والفاشلة بالذات أن تتنصل من الاتهامات
والجرائم التي ترتكبها ضد شعوبها, ولم يعد مقبولا في الاعراف الدولية
التحجج بمبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية, أو بحقوق السيادة التي
تمارسها الدولة علي مواطنيها.. فقد احاط المجتمع الدولي هذه الحقوق
بسياج من التحفظات والشروط التي تعطي له حق التدخل اذا أخلت الدولة
بحقوق جماعات منها لأسباب دينية او عرقية, وتقاعست عن تقديم مرتكبي
هذه الجرائم لمحاكمات عادلة.. وهو ما وقع بحذافيره في دارفور..
ولعل هذا هو سبب الحرج الشديد الذي واجهته الجامعة العربية وأمينها
العام في البحث عن مخرج من التهم التي تحاصر الرئيس السوداني,
ومحاولة ارجاء قرار الاتهام بحجة أن ذلك سوف يعرض عملية السلام في
السودان للخطر.. وتقدم الأمين العام لذلك بعدد من المقترحات, لكي
تسارع حكومة الخرطوم الي اجراء محاكمات عاجلة للمتهمين من القيادات
المحلية السودانية التي ارتكبت جرائم إبادة ضد المدنيين في دارفور,
مع التعجل بعمليات مصالحة مع القبائل.. ومعظم هذه الاقتراحات تلكأت
حكومة البشير سابقا في تنفيذها, حتي وقعت الفأس في الرأس كما
يقولون! ليس بوسع البشير أن يختفي كما اختفي كاراديتش, الذي اتهم
بارتكاب مذابح جماعية ضد مسلمي الصرب, ومن بينها مذبحة راح ضحيتها
أكثر من8 آلاف رجل وامرأة وطفل, أيضا بهدف اقامة دولة صربيا
القومية.. ولم يعثر منذ1996 لكاراديتش علي أثر, وذلك علي عكس
البشير الذي يتحدي العالم بالرقص ولا يري في التطهير العرقي الذي شهدته
دارفور ما يستحق الرد. ولقد ساعد كاراديتش انصاره من الفاشيين الصرب
علي الاختفاء بعد أن غير ملامحه واستمر يعمل كطبيب نفسي ويقيم في
بلجراد.
غير أن كاراديتش سوف يقاد علي الأرجح الي المثول امام المحكمة الجنائية
الدولية, وهو ما من شأنه أن يزيد الضغوط الدولية علي البشير, ليس
تطبيقا لمبدأ العدالة الدولية.. فقد أضحت العدالة الدولية جزءا من
منظومة كبيرة ذات أبعاد سياسية واقتصادية, يصعب تطبيقها بشكل مطلق.
وتلعب فيها الاعتبارات الداخلية واحترام حقوق الانسان والديمقراطية
والتعددية أدوارا مهمة.. وهو ما لابد أن تكون الدول العربية قد
أدركته من خلال عشرات التجارب التي مرت بها وجعلتها باستمرار هدفا سهلا
للعقاب والانتقام, بسبب غياب هذه المعايير عن أوضاعها الداخلية!
اما الكاتب الصحفي في صحيفة الحياة صالح بشير فقد كتب في مقاله
الاسبوعي بملحق ((تيارات )) الصادر بتاريخ 27/07/2008 م بذات الصحيفة
حول قضية البشير المثيرة للجدل وتحت العنوان: |