الصراعات الأفريقية تهدد الأمن القومي العربي وتخلف وراءها
600 ألف نازح وعشرات القتلي في كينيا وحدها
 


د.عبد الله الأشعل: الإمكانيات والقدرات هي التي تحدد ضرورات الأمن القومي د. أماني الطويل: الفشل في بناء الدولة الوطنية وعدم تجانس الأعراق أهم أسباب الصراعات حلمي شعراوي: مطلوب وجود عربي مؤثر سياسياً واقتصادياً تجاه دول الجوار الأفريقي د. سعيد اللاوندي: اقتسام السلطة وتقسيم الثروات أهم التحديات أمام السلام في القارة الأفريقية لم تتوقف الصراعات الدموية في كل من تشاد وكينيا لحظة واحدة منذ شهور طويلة بالرغم من انها خلفت وراءها عشرات من القتلي والجرحي وأكثر من 600 ألف نازح خرجوا من كينيا وحدها في أعقاب أعمال العنف السياسية التي شهدتها كينيا مؤخراً وهو ما أدي لتفجر العديد من الاسئلة في الشارع السياسي العربي حول خطورة الاوضاع المتأزمة في دول حوض النيل علي الامن القومي العربي وخصوصاً للدول المتاخمة لتشاد وكينيا والصومال التي انفرط عقدها ايضاً في أعقاب اندلاع الحرب الاهلية التي نشبت هناك فماذا عن التدخلات الدولية في الصراعات الافريقية وخصوصاً من جانب امريكا وفرنسا والي أين تتجه الامور بعدما تزايدت اعداد المهاجرين غير الشرعيين إلي دول الخليج العربي؟. فأرجع د. سعيد اللاوندي خبير العلاقات الدولية بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام عودة الصراعات المسلحة للساحة الافريقية بعد سنوات من الهدوء إلي افتقاد الديمقراطية واستنزاف الموارد الموجودة من قبل نخبة فاقتسام السلطة وتقسيم الثروات هما الهاجسان الذين يفرضان تحدياً أمام السلام في القارة وقال ان أي قلاقل سياسية أو اقتصادية في أي دولة افريقية تؤثر بالتبعية علي كل الدول والتجمعات الاقليمية مثل الكوميسا فتذبذب الاوضاع في كينيا سيلقي بظلال كثيفة علي الاحداث التي تدور في الدول المجاورة بل ودول شمال القارة..
واشار ان الازمة في دارفور والوضع السوداني يمس الامن القومي المصري بشكل مباشر ومصر وهناك قلق يساور الجميع بشأن مستقبل السودان التي قالوا عنها بأنها تغطي استهلاك العالم العربي من الغلال والمواد الغذائية إذا أحسن زراعتها.
وأشار اللاوندي إلي مجهودات الاتحاد الافريقي وإرادتها التي تمثل مجموع إرادات الدول الاعضاء لكن لم يتم تفعيل دور القوات التابعة له بشكل جاد وعميق واصفاً إياه بالقوات الرمزية فالامم المتحدة وقعت مع الحكومة السودانية عدداً من الاتفاقيات بشأن دارفور بعد ان شهدت العلاقة بين القوي الدولية ممثلة في الامم المتحدة وحكومة السودان تذبذباً ما بين الادانة والتهدئة. وأضاف ان الامن القومي العربي خاصة دول الخليج العربي سيتأثر حتماً بما يحدث فالميليشيات والقوات المسلحة والاتاوات التي تفرض علي الناس كلها أشياء تؤكد الصمولة التي تعني الفوضي والانفلات الامني والمجاعات والسمسرة ومنذ حادثة سحل أربعة جنود أمريكيين في شوارع العاصمة الصومالية مقديشيو أصبحت الصومال من وجهة نظر أمريكا منطقة ملعونة يجب حرقها والتخلي عنها لتأكل بعضها موضحاً ان الهجرة غير المنتظمة نتيجة مباشرة لعدم الاستقرار وكأن المنطقة أصبحت لافظة لابنائها بعدما أصبحت منطقة تجويع وقتل وإبادة من أجل التناحر في السمسرة الدولية والمصالح التي لا تتأتي إلا بإحداث تشرذم داخلي وتقطيع لاواصل الصومال مشيراً ان ذلك يصب ضمن مشكلات الخليج العربي ودول شمال أفريقيا.
من جانبه أكد د. بدر شافعي المتخصص في الشئون الافريقية ان ازمة المتمردين في تشاد ليست جديدة وانما امتداد لازمة دارفور وهناك تداخل بينهما فالتداخل بين القبائل يؤدي إلي ان يقوم كل نظام بدعم المتمردين بالجانب الآخر.. وأضاف ان هناك تدخلات ووساطة مصرية وليبية وتعهد من الاتحاد الاوروبي بإرسال جنود علي الحدود مشيراً ان التدخل الفرنسي أحدث تحولاً كبيراً فبعد ان كانت الهيمنة والسيطرة لقوات المتمردين أصبحت الان للحكومة موضحاً ان الازمة بعيدة عن الامن القومي المصري فتشاد ليس لها حدود مع مصر لكن مع ليبيا التي نشبت عام 1982 أزمة شريط أوزو الحدودي معها.
مشيراً إلي ان الوضع في كينيا متأرجح بين الحكومة والمعارضة والموقف الدولي لا يرغب في التدخل وليس هناك رغبة في التدخل الاقليمي فالازمة تراوح مكانها ومجلس الامن أعطي دفعة معنوية فقط حتي الولايات المتحدة لم تضغط في مواجهة المعارضة أو إعلان دعمها للرئيس التشادي إدريس ديبي وقد يتغير الوضع إذا ما شعرت امريكا أو الاتحاد الاوروبي بخطورة علي مصالحها مشيراً ان الوضع في تشاد بعيد عن الامن القومي المصري.
ولفت إلي ان مشكلة إقليم دارفور ليست فقط في انتشار القوات الدولية وانما انتشارها بصورة كافية فالحكومة السودانية تحذر هذه القوات بعدم استخدام القوة العسكرية في مواجهة القوات الموالية للحكومة والتأكيد علي ان دور القوات الدولية هو حفظ السلام فقط مطالباً مصر بتدعيم دورها في عمليات حفظ السلام حيث يشهد الدور المصري تراجعاً إزاء الدور الذي تقوم به نيجيريا وجنوب افريقيا وهذا بهدف ان تعزز من فرص فوزها بمقعد في مجلس الامن.
مشيراً إلي ان مصر ترغب في استقرار الامور في دارفور وجنوب السودان لان السودان يعتبر العمق الاستراتيجي للجنوب السوداني وليس من مصلحتها ان يكون السودان مفككاً ومن الضروري ان يكون موحداً بأي صورة من صور تقاسم السلطة فاستقرار السودان يعني الحفاظ علي الامن القومي المصري موضحاً انها تسعي لايضاح حرصها علي استتباب الامن والامور في دارفور وتؤكد انها ضد مبدأ انفصال أي إقليم.
من جانبه أشار د. هاني رسلان خبير الشئون الافريقية بمركز الاهرام ان الوضع في تشاد متعلق بظاهرة عدم الاستقرار الناتج عن الحدود المصطفاه للاستعمار الفرنسي الذي جمع مجموعة من العرقيات المختلفة في إطار دولة واحدة لم تستطع ان تتحول بشكل ديمقراطي إلي أمة بسبب قلة الموارد التي جعلت أي مجموعة تصل إلي الحكم تستأثر بهذه الموارد وتستولي عليها وهو ما يجعل المجموعات الاخري تتمرد وتتناحر معها.
مشيراً إلي ان تشاد قريبة من الامن القومي المصري لكنها أكثر قرباً وأهمية بالنسبة للسودان وليبيا وهناك عدد كبير من القبائل المشتركة بين السودان وتشاد يصل عددها إلي 26 قبيلة وأزمة دارفور مرتبطة ارتباطاً هيكلياً بالازمة في تشاد وأوضح ان مصر تهتم بالاوضاع في تشاد لكن دورها تراجع مؤخراً لصالح السياسة الليبية والسودانية التي تتأثر للغاية بالوضع المتأزم هناك.
وأشار ان الاوضاع في كينيا تمثل ضربة قاسمة للسياسات الغربية في منطقة البحيرات العظمي والقرن الافريقي الكبير وان ما حدث يعد انتكاسة للتحول الديموقراطي في كينيا ونوعاً من الارتداد للانتماءات الاولية في القبائل والاقاليم بسبب عدم احترام قواعد اللعبة الديموقراطية من قبل الرئيس ديبي التابع لقبيلة كيوكو المسيطرة وقال رسلان ان كينيا دولة مهمة من دول حوض النيل والتأثير الاكبر مما يحدث هناك يكون علي دول مثل أوغندا ورواندا وبورندي وجنوب السودان حيث ان كينيا تمثل المنفذ التجاري والاقتصادي لهم مضيفاً انها تلعب الدور الاهم في منظمة الكوميسا ، وهي عبارة عن منظمة اقتصادية لدول شرق افريقيا قائمة علي التبادل التجاري ورفع الحواجز الجمركية وانشاء منطقة تجاره حرة، حيث تساهم كينيا في اكبر نسبة من التبادل التجاري بين الاعضاء، تليها مصر ثم السودان مشيراً ان اهتزاز الاقتصاد الكيني يفتح المجال امام مصر للعب دور اكبر في الكوميسا وعلي مصر مراقبة التفاعلات بيقظة لاعادة النظر في سياساتها تجاه دول حوض النيل والسعي لتحقيق مكاسب أكبر.
من جانبه أكد د . عبدالله الاشعل مساعد وزير الخارجية الاسبق ان مصر يمكن ان تتأثر بما سيحدث في بلدان مثل السودان والصومال - القريبة جغرافياً منها بعكس دول اخري مثل تشاد وكينيا التي لا ترتبط معها بحدود جغرافية ويقول ان هناك مستويات عديدة للامن القومي المصري المستوي الاوسع الذي يمتد إلي نصف القارة الافريقية وحدود الخليج العربي والبحر الابيض المتوسط، وهناك الامن القومي الحالي من وجهة نظر الحكومة بالحدود الجغرافية .
مشدداً علي ان الامن القومي لا يعتمد علي الرؤية بقدر اعتماده علي الامكانيات والقدرات. واضاف ان مصر ليس لها دور داخل الاتحاد الافريقي وانما رأي فقط .
وفيما يخص الصراع السياسي القبلي في كينيا أكد الاشعل انها كانت العاصمة الدبلوماسية لافريقيا ومكاناً لمفاوضات السياسيين وابرام اتفاقيات السلام ولذا فان عدم الاستقرار بها سيؤثر تأثيراً سلبياً ليس فقط علي مصر وانما علي مستوي دول القارة الافريقية وعلي المستوي العالمي، حيث من الممكن ان تمتد ثقافة التزوير في الانتخابات والرد عليها بمقاومة مسلحة مما يؤدي لاندلاع أعمال عنف دموية بين مختلف القبائل هناك
واشارت د . اماني الطويل استاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة والمتخصصة في الشأن السوداني ان اسباب الصراعات الافريقية متعلقة بالفشل في بناء الدولة الوطنية في افريقيا بشكل عام فهيكل الدولة الوطنية هش لعدم التجانس السكاني والاختلافات العرقية وحتي الان لا يوجد ما يسمي بخارطة الطريق للوصول لتعايش بين الاعراف المختلفة.
واضافت ان الصراع الدولي علي افريقيا الان والمتعلق اساساً بالموارد الافريقية والفشل في بناء الدولة الوطنية وعدم التجانس بين الاعراق هي الاسباب الرئيسية لهذا الصراع الدولي والذي يمثل المداخل للصراعات الافريقية - الافريقية.
وفيما يتعلق بمدي تهديد هذه الصراعات في كينيا وتشاد والصومال علي المنطقة وعدم الاستقرار فيما يسفر عن تدخلات عسكرية خارجية واستقطابات اقليمية وهجرة غير منتظمة للسكان نحو الخليج العربي وعمالة ضعيفة لانها غير فنية وغير مدربة وغير متعلمة وهو ما يؤدي لتهديد الامر القومي العربي.
اما الازمة في تشاد فانها تؤثر علي منطقة شمال افريقيا وشمال الصحراء الكبري وهي مناطق التداخل بين العرب والافارقة فتشاد والسودان يؤثران علي الامن القومي المصري، الذي لا تتعلق متطلباته فقط بقضية المياه وانما استقرار دول الاقليم بشكل عام .
مشيرة ان التدخلات الدولية في الشؤون الافريقية لصالح اجندة خاصة ومصالح لا تتفاعل بشكل ايجابي مع مشكلات المنطقة ولا تتفهم اصول الصراعات الافريقية وفي الاغلب تكون هذه التدخلات خاطئة وترسل اشارات سياسية تؤدي إلي عكس ما هو مطلوب منها وهو ما يتمثل في مدي الاتفاق الذي منيت به السياسات الدولية خاصة الامريكية في دارفور علي الرغم من انه بدأت بالفعل القوات الدولية للامم المتحدة في الانتشار بالاقاليم.
وقال حلمي شعراوي مدير مركز البحوث العربية والافريقية ان الصراعات في القارة الافريقية تحولت للعنف بعد فشل التحالفات والمحاولات التي قامت بها نظم الحكم في تهدئة الناس والشعوب الافريقية بوعد التعددية والمشاركة السياسية وهو ما حدث في اجواء ديكتاتورية، مشيراً ان هناك اصلاً في اعلان الاتفاق وهناك مفاوضات تجري بالفعل في كينيا والوضع في تشاد ايضاً قابل لتفاوض ففرنسا وامريكا يمكن لهما ان يفرضان التفاوض علي السياسيين في تشاد ولكن تبقي الجماهير معزولة عن المشاركة.
واشار ان ما يحدث في كينيا أو تشاد ليس ذا تأثير مباشر علي مصر لكنه سيؤثر علي السودان وجنوبه وهي دولة عربية مزقتها الصراعات طوال ال 20 سنة الماضية.
والمشكلة في رأي شعراوي انه لا توجد خطة عربية أو مصرية للاقتراب الحقيقي المبكر من المشاكل الافريقية وبشكل جماعي فالازمات في تشاد والسودان والصومال تستدعي وجوداً عربياً مؤثراً سياسياً واقتصادياً عن طريق سياسات طويلة المدي تجاه دول الجوار الافريقي.
وفيما يتعلق بمبادرة حوض النيل ومدي تأثرها بالصراعات في افريقيا اكد ناصر عزت عضو اللجنة التفاوضية للاطار القانوني لمبادرة حوض النيل ان الاستقرار يساعد بتحريك التعاون بشكل اكبر واسرع بين دول حوض النيل مشيراً ان هناك تعاوناً بين مصر والسودان واثيوبيا.
 

كريم إمام مصطفي: القاهرة – صحيفة الراية القطرية